
حين كان صغيراً كان باستطاعته أن يفعل ما يريد وأن يقول ما يريد.. "ياللأطفال!".. هكذا كانوا يقولون مبتسمين بحنان أو بإحراج.. يذكر أنه حين كان فى السابعة من عمره قال لأحد أصدقاء والده:
-- أنت كذاب.
كاد أبوه يفتك به لإصراره على عدم الاعتذار أمام إصرار الوالد على أن يعتذر للرجل، وإصرار الضيف نفسه على عدم أهمية الاعتذار.. فى النهاية - أى حين ظهرت العصا الخيرزان الجميلة - حل المشكلة بأن قال للضيف من بين أسنانه:
-- آسف يا حيوان.
ليستشيط والده أكثر ويهم بتلقينه أصعب درس فى حياته، لولا تدخل الضيف نفسه وقسمه على الوالد بعدم التعرض له.. وكان أن قال محولاً الموضوع إلى دعابة:
-- والله يا أخى أنا كنت محترماً أكثر قبل أن تصر على هذا الاعتذار.
ما الذى حدث ؟! كيف أصبح هكذا ؟! هل سقط فى الفخ المنصوب ما بين منطقتيّ "اللياقة" و "النفاق" ؟؟!!
متى اكتشف - فجأة - أنه يعرف جيداً ما هو الخطأ، ولكنه تقريباً لا يعرف ما هو الصواب ؟؟؟ اليوم ؟ أمس ؟ منذ عام ؟ منذ ألف عام ؟ وماذا فعل حين عرف ؟؟؟؟
لا شئ.
لم يفعل شيئاً: لم يحاول أن يعرف.. أن يتعلّم.. أن يتغيّر...
ولكنه تغيّر...
مهين جداً أن يكتشف فجأة أنه تغير، ولكنه لم يكن السبب فى هذا التغيّر...
هل لهذا يسير الآن فى ذلك الطريق وتلك الشوارع ؟! نفس الطريق ونفس الشوارع التى سار فيها يومياً إلى مدرسته منذ سنوات وسنوات...هل يحاول أن يعود طفلاً كما كان يوماً ؟؟!!
-- لا تحاول يا صاحبى.. وقتها كنت بريئاً لا ترى من العالم سوى أفضله.. لقد ذهَبَتْ تلك البراءة الآن وغرق ثوبك الأبيض فى مصبغة الحياة، فحوّلته إلى أحد أثوابها التنكرية.. لم تعد طفلاً ولم تظل بريئاً.
قالها لنفسه ثم ركل حجراً صغيراً وجده فى طريق قدميه، علّه يفرغ فيه بعض ما يملأ نفسه من نار.. نار غيظ ونار اكتشاف ونار عجز.. ونار الصيف القائظ تزيد كل ذلك اشتعالاً...
يريد أن يصرخ.. يريد أن يفتح أزرار قميصه ويجرى صارخاً فى الشوارع.. يريد أن يلقى بنفسه فى قلب أول نافورة يراها.. يريد أن يبكى ويضحك فى وقت واحد مثلما كان يفعل فى طفولته حين كان يشعر بالضيق.. ولكنه ليس طفلاً.. لم يعد من حقه أن يقول لأحدهم "آسف يا حيوان" لأنه وقتها سيثبت له أى نوع من الحيوانات هو.. لن يستطيع أن يقول ما يريد ويفعل ما يريد، لأنه لم يعد بريئاً.. لقد تلوث مثل الجميع ولم يعد أحد يدافع عن براءته.. لم يعد أحد يستمتع بصراحته، لأنها - مع مرور السنوات - تحولت إلى وقاحة وقلة تهذيب.. لم يعد أحد يتوقع منه البراءة، فصدق أنها تركته ورحلت...
وجد نفسه يقف أمام باب مدرسته القديمة.. يا الله !! لكم كره هذه المدرسة وأحبها !!! لكم أحب هذه الطرقات حين كان يلعب بها مع أقرانه، وكرهها حين كانت مشرفة الطابق تصيح بهم ليعودوا إلى فصولهم !! لكم أحب هذه الساحات والملاعب وهذا العامود !! نظر لأعلى: علم ( مصر ) ذو الألوان الثلاث والنسر يرفرف فوق رأسه بأمتار.. حين كان صغيراً كان يشعر أنه يعلوه بأميال، وقلّما رفع رأسه لينظر إليه.. كانت متعته الكبرى أن يمسك بهذا العامود بيد، ويدور حوله فارداً جسمه وذراعه الآخر كله.. كان يشعر أنه يطير وهو يدور ويدور ويدور حتى يهلكه الدوار، فيفلته ويسرع فيرتمى على أقرب مقعد له لاهثاً متقطع الأنفاس...
ماذا لو.......... ؟
هل مازال........... ؟
امتدت يده تلمس العامود بحذر وبعض الرهبة، وكأنه يتوقع أن ينفض العامود كفه رافضاً...
ولكنه لم يفعل...
هل مازال بإمكانه أن يمسك بهذا العامود ويدور حوله كما كان يفعل ؟؟؟
دار حوله مرة..
شعر أنه يتخلص من الأفكار الكئيبة التى تملأ رأسه..
دار دورة أخرى أسرع..
ثم أخرى أسرع..
ثم أخرى وأخرى وأخرى..
ظل يدور ويدور ويدور..
ولكنه هذه المرة لم يستطع أن يتوقف أو يفلت العامود....
so deeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeep
ردحذفتصدق كنت ناسية المدونة خالص :)
ردحذفشكراً عشان فكرتنى :)