عزيزتى (سارة)..
أعلم أنك الوحيدة التى ليست غاضبة مني لانـقــطـاعي المرعب عن العالم ومحتليه ، لأنك - ببساطة - جزء من روحى القلقة التى لم يستطع سوى قليلين فهمها.. لهذا أقول لك الآن : وحشتينى..!!
بالأمس تشاجرتُ معه ثانية.. ستقولين " كالعادة " وسأقول لك : كلا.. هذه المرة انفجرتُ وكدتُ اترك البيت وأنجو بالفتات المتبقى من حياتى ، وروحى المحتضرة. ما الذى منعني ؟؟ لا ليس تهديده - أو تحذيره ، فهو كان يعني ما قال - بقتلى إن فعلتها ، وكونى فتاة لا يحق لها ترك بيت أبويها وكل هذا الهراء ، فأنا ميتة بالفعل منذ سنوات.. قتلنى بدم بارد وقلب متحجر ، ولم يبكنى أحدٌ لحظة واحدة.. ما منعنى هو تلك النظرة الملتاعة في عينيها حين قلتُ له إننى سأرحل.. تعرفين يا ( سارة ) إن أمى هى نقطة ضعفى الوحيدة.. اليد الوحيدة التى تؤلمنى ولا يمكننى قطعها وتركها لمن يضغط عليها ليؤلمنى.. لو أنك رأيتِ كيف نظرتْ لى برعب وكأنها فقدتنى الآن وإلى الأبد..!! تلك النظرة التى لم تكف لحظة عن إعدامى كلما حاولتُ إقتراف جرم الاستقلال والابتعاد.
عزيزتى ( سارة )..
هل تذكرين ذلك الشاب الوسيم الحنون الذى كان يمسك بى كلما وقعتُ ، في محاولاتى العنيدة لتعلم المشى لأصل إليه حين كنتُ طفلة ؟؟ أين ذهب ذلك الشاب الضاحك الفَرِح الحنون ؟؟!! هل تذكرين صوت ضحكاته الفَرِحة بكلمة "بابا" المتعثرة المتلعثمة التى كنتُ أناديه بها حين كنتُ أتعلم الكلام ؟؟ ليتهم سجلوا تلك اللحظات السعيدة وقتها ، فالحنين يقتلنى لسماع ضحكة أبى الحقيقية ، قبل أن يقتله ذلك الشيخ المرير القاسى ويحتل مكانه.. أتظنينه كان يعرف أنه سيتحول إلى ذلك القاسى المتحجر الذى هدد وتوعد بقتلى أمس ؟؟!!! أتظنينه تخيل يوماً أن الطفلة الحسناء التى يحملها بين ذراعيه - بحرص هيستيرى كى لا يقلق نومها - إلى فراشها ، ويدثرها بحبه وقبلة ، سوف تنظر إليه يوماً فلا ترى سوى غريب عجوز قاسٍ يجلدها بيد ، وباليد الأخرى يهدى الورد والحب للآخرين ؟؟؟ أتظنينه تخيل يوماً أن طفلته الصغيرة هذه ستتحول إلى جثة لا روح فيها على يديه ؟؟؟ أتظنينه - يا ( سارة ) - عرف أنى سأفتقد ذلك الشاب الجميل الحنون ، فقتله ومحى كل آثاره ومعابده ونقوشه التى حفرها بكل الحب فى حياتى ، كى أتعذب أكثر محاولة تخيل كيف كان يبدو ؟؟؟
كلما حاولتُ استرجاع ملامحه الحنون - التى تشبه ما تخيله الرسامون عن ملامح الملائكة - قفزتْ إلى ذهنى صورة العجوز العابس الذى لا يرضى أبداً عن شىء أفعله.. كلما حاولتُ تذكّر ساعده القوى يسندنى قبل وقوعى ، أسمعه يوبخنى بضراوة على سقطاتى الكثيرة ، قبل أن يرحل دون أن يمد لى يداً أتكئ عليها لأقوم.. اين اختفى ملاكى الحارس ؟؟ أيستطيعُ البشر قتل الملائكة ؟؟!! أم أنه تحوّل إلى بشرى آخر لطول بقائه وسط البشر ؟؟!!! أتعرفين ما المؤلم أكثر من القتل نفسه ؟؟ أن يكون قاتلك هو حارسكِ من الأذى.. ألم قاس ذلك الذى يسببه شعورك أن الحضن الوحيد الذى ترتمين فيه من الجرح هو السكين التى جرحتك.. وقتها تشعرين أنك ذلك اليتيم الفقير الذى لا يملك بيتاً أو حارساً ، بينما يقذفه الجميع بالجمر.. قد تجدين ذلك الحضن الصديق الذى يفتح لك ذراعيه ويناديك لترمى فيه علّ الجرح يندمل ، أو يكف عن إيلامك.. ولكن المشكلة أنه ليس ملاكك الحارس.. فحضنه هو الوحيد الذى يحوى ترياق كل السموم وكل الجروح.. ترين الجرحى كلهم يُشفون من كل الآلام والجراح ، فتهرعين إلى ملاكك الحارس تبحثين عن سحره الشافي ، فيستقبلك بجرح جديد ، وألم جديد ، وقتل جديد.. ترى ، أين يجد الأيتام الفقراء الوحيدون ملاكهم الحارس ؟؟؟ هل يمكن أن يعود يوماً ؟؟ هل سيأتى اليوم الذى أسمع فيه تلك الضحكة الفَرِحة وأرى ذلك الشاب الرؤوف ثانية ؟؟؟؟؟
حتى أمى تغيرتْ يا ( سارة ).. لم أعد أرى تلك الشابة الراضية الحنون في عينيها ولمساتها.. تحولتْ إلى عجوز مرعوبة ، تخشى فَقْد الزهرة الوحيدة التى أزهرت في حياتها.. أتعرفين ؟ هى ليست عمياء.. أمى تعرف أنها فقدتنى منذ سنوات.. تكاد تسمع رجع صدى الأنفاس يتردد داخل جسدى الفارغ من الروح ، ولكنها لا تريد الاعتراف بذلك.. وأنا لا ألومها.. أعنى ، هل يمكنك تحمّل تأنيب ضميرك لمساعدتك على قتل الروح الوحيدة التى تعيشين من أجلها ؟؟!!! حتى أنا - بقلبى شبه المتحجر هذا - لا أستطيع تحمله ، فما بالك بملكة الحب والحنان تلك !!! المشكلة يا ( سارة ) أننى لا ألومها ، ولكنى كذلك لا أستطيع مسامحتها.. أعرف أنها ليست مسئولة عن أخطائه.. ولكنها مسئولة عن تجاهلها وعدم تقويمها.. كان بإمكانها تفادى كل هذا بقليل من الحزم.. بقليل من الألم.. بقليل من التحمل والقسوة الرحيمة.. تعرفين يا ( سارة ) أننى لن أستطيع لومها لأننى أصبحتُ مثلها : لا أقوى على جرح أو إيلام من أحب ، لأننى أعرف جيداً كم يؤلم هذا الجرح.. لأننى أشعر به كرجع الصدى بقلبى ، محدثاً به من الأذى ما يفوق ما أُلحِق بهم.. ولكنى لا أستطيع أن أمنع نفسى من تخيل ما كان يمكن أن يحدث لو كانت أقوى قليلاً..
أتظنيننى سأنجح فى أن أختلف عنهما ؟؟ أعنى ، هل سأنسى - حين أكبر - كم عانيتُ حين فقدتُ ملاكىّ الحارسين ؟؟ هل سأتحول إلى جلاد آخر يجلد من يحب ويحمى في محاولات مستمرة لتجنيبه آلام الآخرين ؟؟ هل سيكتب أبنائى هذه السطور عنى يوماً حين أفشل فى أن أكون ملاكاً أو حارساً ؟؟
عزيزتى ( سارة )..
أنتِ الوحيدة التى يمكنها معرفة كم أفتقدهما.. كم أفتقدنى.. كم أفتقد الدفء والأمان والضحكان الحقيقية.. كم أفتقد أن أنظر فى المرآة فى أرى جرحاً ينزف حول شظايا قلب فتاة ، كسره حارسه.. أنتِ الوحيدة التى تعرف كم أن انغراس هذه الشظايا يؤلم ولا يلتئم.. أوتعرفين ؟ أفتقدُ كذلك تلك الصغيرة التى لم تكن تخشى الوقوع والتلعثم ، لأنها كانت تعرف أن ثمة من سينقذها قبل أن يقع لها مكروه.. أفتقد تلك الصغيرة المحبوبة المحمية من قِبل ملاكيها الحارسيْن.. ملاكيها الذيْن تحولا إلى زوج من البشر ، فلم يعودا حارسيْن..
عزيزتى ( سارة ).. أفتقدكِ بشدة.. هل يمكن أن تعودى يوماً ، أم أنه قتلك للأبد ؟؟؟
عزيزتى ( سارة ).. وحشتينى...!!!!
25 / 4 / 2011

